دراسات أبائية
  

     
   
 

Patrology
علم الباترولوجي
"كتابات الآباء "

تجــسد الكـلمة

القديـس اثناسيوس الرسول

تــرجمــة

القمص مرقص داود

الفصل التاسع

وإذ لم يكن ممكنا أن يوقف الوباء الا بالموت أخذ الكلمة جسدا قابلا للموت, واذ اتحد الجسد به أصبح نائبا عن الكل. وباشتراكه في عدم موته أوقف فساد الجنس البشري. وبكونه أسمى من الكل. جعل جسده ذبيحة لأجلنا. وبكونه واحدا معنا كلنا ألبسنا عدم الموت .

 1- وإذ رأى الكلمة أن فساد البشرية لا يمكن أن يبطل الا بالموت كشرط لازم, وأنه مستحيل أن يتحمل الكلمة الموت لأنه غير مائت ولأنه ابن الآب. لهذا أخذ لنفسه جسدا قابلا للموت. حتى باتحاده بالكلمة, الذي هو فوق الكل، يكون جديرا أن يموت نيابة عن الكل, وحتى يبقى في عدم فساد بسبب الكلمة الذي أتى ليحل فيه وحتى يتحرر الجميع من الفساد، فيما بعد، بنعمة القيامة من الأموات. وإذ قدم للموت ذلك الجسد الذي أخذه لنفسه كمحرقة وذبيحة خالية من كل شائبة فقد رفع حكم الموت فورا عن جميع من ناب عنهم, إذ قدم عوضا عنهم جسدا مماثلا لأجسادهم.

 2- ولأن كلمة الله متعال فوق الكل، فقد لاق به بطبيعة الحال أن يوفي الدين بموته وذلك بتقديم هيكله وآنيته البشرية لأجل حياة الجميع (أو فداء عن الجميع) وإذ اتحد ابن الله عديم الفساد بالجميع بطبيعة مماثلة، فقد ألبس الجميع عدم الفساد بطبيعة الحال، بوعد القيامة من الأموات. لأنه لم يعد ممكنا أن ينشب فساد الموت الفعلي أظافره في البشر، وذلك بسبب " الكلمة الذي جاء وحل بينهم بجسده الواحد.

3- وكما أنه لو دخل ملك عظيم مدينة عظيمة (1) واتخذ اقامته في أحد بيوتها، فان هذه المدينة تتشح بالشرف الرفيع، ولا يعود عدو أو لص ينزل اليها لإخضاعها, بل على العكس تعتبر مستحقة لكل عناية. لأن الملك اتخذ مقره في بيت واحد من بيوتها، كذلك كانت الحال مع ملك الكل.

 4- فإنه إذ أتى الى عالمنا، واتخذ اقامته في جسد واحد بين أترابه فقد بطلت كل مؤامرة العدو ضد الجنس البشري منذ ذلك الحين، وزال عنهم فساد الموت الذي كان سائدا عليهم من قبل لأنه لو لم يكن الرب مخلص الجميع ، ابن الله، قد جاء الينا وحل بيننا ليوفي غاية الموت (2) لكان الجنس البشري قد هلك.

الحواشي

(1) لعله يشير الى ما كان يحدث عند زيارة الأباطرة للبلاد. وقد تشرفت القسطنطينية بعد ذلك سنة 326 بزيارة الملك العظيم قسطنطين لها واقامته فيها

(2) او ليضع حدا للموت.

الفصل العاشر

إيضاح معقولة الفداء بتشبيه آخر. كيف أزال المسيح عنا هلاكنا, وقدم لنا في تعاليمه الدواء الشافي من سمومه. البراهين الكتابية لتجسد الكلمة، وللذبيحة التي قدمها.

1- حقا لقد كان هذ1 العمل العظيم متفقا مع وجود الله بشكل عجيب لأنه اذا أسس ملك منزلا أو مدينة وأحدق بها اللصوص بسبب اهمال سكانها ، فانه لا يهملها أو يتغاضى عنها بأي حال, بل يقوم ويهتم وينتقم من العابثين بها لأنها صنعة يديه غير مبال باهمال سكانها، بل بما يليق بذاته، وهكذا الله، كلمة الآب الكلي الصلاح, ولم يهمل الجنس البشري صنعة يديه, ولم يتركه للفساد، بل أبطل الموت بتقديم جسده، وعالج اهمالهم بتعاليمه، ورد بسلطانه كل ما كان للانسان.

 2- وهذه كلها يمكن للمرء أن يتحققها من كتبة الانجيل. الذين كتبوا بالهام الروح القدس، إذ اطلع على كتاباتهم التي فيها يقولون " لأن محبة المسيح تحصرنا اذ نحن نحسب هذا أنه ان كان واحد قد مات لأجل الجميع فالجميع إذا ماتوا. وهو مات لأجل الجميع كي لا نعيش فيما بعد لأنفسنا بل للذي مات لأجلنا وقام 2كو 5: 14و 15 ربنا يسوع المسيح. أيضا " ولكن الذي وضع قليلا عن الملائكة يسوع نراه مكللا بالمجد والكرامة من أجل ألم الموت لكي يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد عبرانيين 2: 9

 3- بعد ذلك يبين في الآية التالية لماذا لم يكن ممكنا لأحد آخر سوى الله " الكلمة" نفسه أن يتجسد : لآته لاق بذاك الذي من أجله الكل , وبه الكل وهو آت بأبناء كثيرين إلي المجد. أن يكمل رئيس خلاصهم بالآلام عبرانيين 2: 10 وهو بهذه الكلمات يقصد أن يبين أنه لم يكن مستطاعا لأحد آخر أن يرد البشر من الفساد الذي بدا غير كلمة الله الذي خلقهم أيضا من البدء

 4- ولا مكان تقديم ذبيحة عن الأجساد أخذ الكلمة جسدا مشابها. والى هذا يشيرون أيضا في الكلمات التالية " " فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضا فيهما لكي يبيد بالموت ذات الذي له سلطان الموت أي ابليس ويعتق الذي خوفا من الموت كانواجميعا كل حياتهم تحت العبودية "عبرانيين 2: 14و 15

 5- لأنه بذبيحة جسده وضع حدا لحكم الموت الذي كان قائما ضدنا , ووضع لنا بداية جديدة للحياة برجاء القيامة من الأموات الذي أعطاه لنا لأنه إن كان بإنسان قد ساد الموت على البشر لهذا السبب أيضا بطل الموت, وتمت قيامة الحياة بتأنس كلمة الله, كما كخاضعين للدينونة بل يقول ذلك الإنسان الذي حمل سمات المسيح (غلاطية 17:6 ) " فإنه إذ الموت بإنسان ، بإنسان أيضا قيامة الأموات لأنه كما في آدم يموت الجميع هكذا في المسيح سيحيا الجميع(1كو 15: 21و22) وهكذا نحن الآن لا نموت بعد كاناس يقومون من الموت ننتظر القيامة العامة للجميع, التي سيبينها في أوقاتها الله. الذي أتممها, والذي وهبنا إياها (1تيموثاوس 15:6)

 6- إذن فهذا هو السبب الأول الذي من أجله تأنس المخلص . على أننا سنرى أيضا من الأسباب الأخرى التالية أن مجيئه المبارك بيننا كان لابد أن يتم.

الفصل الحادي عشر

سبب آخر للتجسد . إذ عرف الله أن الإنسان بطبيعته لم يكن في مقدوره معرفته لكي يستطيع أن يجد فائدة من وجوده في الحياة, لقد خلقه على صورة الكلمة حتى يستطيع بذلك أن يعرف الكلمة.

وبه يعرف الأب , أما هو فإذ احتقر هذه المعرفة هوى إلى العبادة الوثنية, تاركا الله غير المنظور واتبع السحر والشعوذة وذلك كله رغم إعلانات الله المتعددة عن نفسه.

 1- وعندما خلق الله الضابط الكل الجنس البشري بكلمته, ورأى ضعف طبيعتهم, وأنها لا تستطيع من نفسها أن تعرف خالقها، أو تكون آيه فكرة عن الله على الإطلاق، لأنه بينما هو ( أي الله) غير مخلوق فقد خلقت الكائنات من العدم ، وبينما هو روح لا جسد له فقد خلق البشر، بطريقة أدنى، في الجسد، ولأن المخلوقات لم تستطع بأي حال أن تدرك وتعرف خالقها- لهذا تحنن الله على الجنس البشري على قدر صلاحه، ولم يتركهم خالين من معرفته، لئلا يروا أن لا منفعة على الإطلاق من وجودهم في الحياة.

 2- لأنه آيه منفعة للمخلوقات أن لم تعرف خالقها؟ أو كيف يمكن أن تكون عاقلة بدون معرفة كلمة ( وفكر) الآب الذي أوجدهم في الحياة؟ لأنه أن كانت كل معلوماتهم محصورة في الأمور الأرضية فلا شئ يميزهم عن البهائم العديمة النطق. نعم ولماذا خلقهم الله لو كان لا يريدهم أن يعرفوه؟

 3- وتفاديا لهذا أعطاهم الله بصلاحه نصيبا من صورته- ربنا يسوع المسيح- وخلقهم على صورته ومثاله، حتى إذا ما رأوا تلك الصورة أي كلمة الآب ، استطاعوا أن يكونوا ، استطاعوا أن يكونوا فكرة عن الآب ، وإذا ما عرفوا خالقهم عاشوا الحياة الحقيقية السعيدة المباركة.

 4- ولكن البشر في ضلالهم وتمردهم إذا تهاونوا- رغم كل هذا - بالنعمة التي أعطيت لهم ، تركوا الله كليا، واظلمت أنفسهم ، لا بمجرد فكرتهم عن الله، بل أيضا باختراعاتهم الكثيرة التي اخترعوها لأنفسهم الواحد تلو الآخر- لأنهم لم يكتفوا بأن يصوروا لأنفسهم التماثيل بدل الحق، ويكرموا المخلوقات - التي لم تكن من قبل- دون الله الحي- ويعبدوا المخلوق دون الخالق( رومية 1: 25، بل والأسوأ من الكل ، حولوا مجد الله إلى الخشب والحجارة، والى كل الأشياء المادية والى الإنسان، بل ذهبوا إلى أبعد من هذا كما بيننا في الرسالة السابقة.

 5- ولقد بلغ بهم الفجور أنهم تقدموا لعبادة الشياطين، ونادوا بها آلهة ، متممين بذلك شهواتهم، فانهم كما ذكرنا آنفا قدموا محرقات من الحيوانات العديمة النطق، وذبائح من البشر كما يلائمهم، منحدرين بخطوات سريعة وراء نزعاتهم الجنونية.

 6- من أجل هذا كثر بينهم تعليم فنون السحر، وأضلت العرافة البشر في أماكن متعددة, وأصبح كل البشر ينسبون سبب ميلادهم ، بل وجودهم إلى الكواكب وكل الأجرام السماوية ، إذ لم يفكروا إلا في المنظور.

بالاختصار لقد أصبح كل شئ مشبعا بروح الكفر والاستباحة ، وصار الله وحده وكلمته غير معروف رغم أنه لم يخف نفسه من نظر البشر ولا أعلن نفسه بطريقة واحدة فقط, بل على العكس أعلن نفسه لهم بأشكال منوعة وطرق عدة .

الفصل الثاني عشر

ومع أن الانسان خلق في النعمة, الا أن الله إذ سبق فعلم ميله النسيان، أعد أعمال الخليقة لتذكرة بشخصه. والأكثر من ذلك أنه أعد الناموس والأنبياء الذين قصد بخدمتهم أن تكون لكل العالم ولكن البشر لم يلتفتوا الا لشهواتهم.

 1- لأنه وان كانت نعمة مماثلة الصورة الالهية كافية في حد ذاتها معرفة الله الكلمة ، ومعرفة الأب به، الا أن الله، العارف ضعف البشر، أعد علاجا شافيا لإهمالهم، حتى إذا كانوا لا يعنون بمعرفة الله من تلقاء أنفسهم، استطاعوا بواسطة المخلوقات أن يتجنبوا الجهل بالخالق ( أو أن يعرفوا الخالق)

 2- واذ تسفل اهمال البشر قليلا فقليلا الى السفليات، أعد الله مرة أخرى علاجا لضعفهم هذا، بارسال ناموس وأنبياء، رجال معروفين لديهم، حتى إذا ما تغافلوا عن أن يتطلعوا الى السماء ليعرفوا خالقهم، استطاعوا أن يتعلموا ممن يعيشون بينهم، لأن البشر يستطيعون أن يتعلموا من البشر بسهولة أكثر من السماوات

 3- وهكذا كان في استطاعتهم، إذا ما تطلعوا الى السماء وأدركوا جمال الخليقة وتناسقها، أن يعرفوا مدبرها - كلمة الآب- الذي يعرف الأب للجميع بسلطانه على كل الأشياء والذي يحرك الأشياء لهذه الغاية عينها حتى يستطيع الجميع أن يعرفوا الله.

 4- أو - ان لم يكن ذلك في مقدورهم - كان ممكنا لهم أن يلتقوا على الأقل بالقديسين، وبواستطتهم يعرفون الله جابل كل الأشياء، أبا المسيح ويعرفون أن عبادة الأوثان كفر بالله، ومملوءة من كل فساد

 5- أو كان يسيرا عليهم أن يعيشوا حياة فاضلة خالية من كل رجس وفساد لو عرفوا الناموس. لأن الناموس لم يعط لليهود فقط. ولا أرسل الأنبياء الى اليهود فقط، الا أنهم كانوا قد أرسلوا الي اليهود واضطهدوا من اليهود، الا أنهم كانوا بمثابة مدرسة مقدسة لكل العالم لتعليم طريق معرفة الله وارشاد النفس.

 6- ورغما عن عظمة جود الله ورحمته فقد خدع البشر بالملذات العابرة والغوايات والاغراءات التي أرسلتها الأرواح الشريرة، ولم يقاوموا الحق فقط، بل ثقلوا نير أنفسهم بالشرور والخطايا، فلم يعودوا يظهرون بعد كخليقة عاقلة ، بل دلت طرقهم على أنه مجردون من العقل.

 

الفصل الثالث عشر

وهنا أيضا أكان ممكنا لله أن يسكت وأن يترك للآلهة الكاذبة تلك العبادة التي أمرنا بتقديمها اليه؟ أن الملك إذا عصيته الرعية يذهب اليهم بنفسه بعد أن يرسل اليهم الرسائل. فكم بالأحرى يعيد فينا الله نعمة مماثلة صورته. هذا ما لم يستطع البشر أن يتممواه لأنهم ان هم الا نموزج. لهذا كان لزاما أن يأتي " الكلمة نفسه ليجدد الخليقة وأيضا ليبيد الموت في الجسد
 1- وإذ صار البشر مثل البهائم، وسادت غواية الشيطان كل مكان حتى حجبت معرفة الاله الحقيقي، فما الذي كان يفعله الله؟ أيسكت أمام هذا الأمر الجسيم، ويدع البشر يضلون بتأثير الأرواح الشريرة ، ولا يعرفون الله؟

 2- ما هي الفائدة من خلقة الانسان أصلا على صورة الله؟ كان خيرا له لو أنه خلق على صورة البهائم العديمة النطق من أن يخلق عاقلا ناطقا ثم يعيش بعد ذلك كالبهائم

 3- وهل كانت هنالك ضرورة مطلقا أن يعطي الإنسان فكرة عن الله في بداية الأمر؟ لأنه أن كان حتى الآن غير مستعد أن ينالها فكان الأولى لأن لا تعطى له من البداية.

 4- وماذا ينتفع الله الذي خلقهم وكيف يتمجد ان كان البشر الذين خلقهم لا يعبدونه، بل يتوهمون أن بعض الخلائق الأخرى هي التي خلقتهم؟ لأنه بهذا يبرهن الله أنه قد خلقهم لا لنفسه بل للآخرين.

 5- ومرة أخرى نسوق هذا التشبيه : أن أي ملك من ملوك الأرض – وهو مجرد انسان بشري- إذا امتلك بلادا لا يتركها لآخرين لكي تخدمهم، ولا يتنازل عنها لغيره، ولكنه ينذر أهلها برسائله، ثم يتصل بهم بواسطة الأصدقاء مرارا، وإذا اقتضى الأمر يذهب اليهم بشخصه كآخر وسيلة يلجأ اليها لتوبيخهم – كل ذلك لكي لا يخدموا آخرين فيذهب عمله هباء منثورا.

 6- أفلا يشفق الله بالأولى على خليقته كي لا تضل عنه وتعبد الأشياء الباطلة التي لا وجود لها، مادام تبين أن ضلالهمقد سبب تلفهم وخرابهم، ولم يكن لائقا أن يهلك أولئك الذين كانوا وقتا ما شركاء في صورة الله.

 7- اذن فما الذي كان ممكنا أن يفعله الله؟ وماذا كان ممكن أن يتم سوى تجديد تلك الخليقة التي كانت في صورة الله وبذلك يستطيع البشر مرة أخرى أن يعرفوه؟ ولكن كيف كان ممكنا أن يتم هذا الا بحضور نفس صورة الله – ربنا يسوع المسيح؟ كان ذلك مستحيلا أن يتم بواسطة البشر لأنهم لم يخلقوا على صورة الله – لهذا أتى كلمة الله بشخصه لكي يستطيع – وهو صورة الآب – أن يجدد خلقة الانسان على مثال تلك الصورة
8- ثم أن ذلك لم يكن ممكنا ان يتم أيضا دون القضاء على الموت والفساد

 9- ولذلك كان واثقا بطبيعة الحال أن يأخذ جسدا قابلا للموت حتى اذا ما أباد الموت فيه نهائيا أمكن تجديد البشر الذين خلقوا على صورته. اذن لم يكن كفؤا لهذه الحاجة الا كلمة الآب

الفصل الرابع عشر

ان فسد الرسم وجبت إعادته من الوصرة الأصلية, وهكذا أتى أبن الآب لكي يطلب ويخلص ويجدد الحياة ولم تكن هنالك طريقة أخرى ممكنة لأن الانسان إذ طمس بصيرته بنفسه، لم يستطع أن يبصر لكي يشفي وشهادة الخليقة فشلت عن تحفظه أو ترده عن ضلاله أما الكلمة فهو وحده الذي استطاع أن يتمم هذا ولكن كيف؟ ليس الا بإعلان نفسه كإنسان. 00000

 1- وإن تلطخت الصورة المرسومة على الخشب بالأدران من الخارج وأزيلت، فلابد من حضور صاحب الصورة نفسه ثانية لكي يساعد الرسام على تجديد الصورة على نفس اللوحة الخشبية لأنه اكراما لصورته يعز عليه أن يلقي بتلك اللوحة, وهي مجرد قطعة خشبية بل يجدد عليها الرسم.

 2- وعلى هذا المثال عينه أتى الى عالمنا ابن الآب الكلي القداسة اذ هو صورة الآب، لكي يجدد خلقة الانسان الذي خلق مرة على صورته – ويجده كضال بمغفرة الخطايا، كما يقول هو نفسه في الإنجيل : " أني جئت لكي أطلب وأخلص الضال (لوقا 19: 10) ومن أجل هذا قال أيضا لليهود : " أن كان أحد لا يولد ثانية" ( يوحنا 3: 3و5) وهو لا يقصد بهذا – كما ظنوا – الولادة من امرأة، وإنما قصد التحدث عن إعادة ميلاد النفس ، وتجديد خلقتها على مثال صورة الله.

 3- ولكن إن كانت العبادة وثنية والمعتقدات الألحادية قد سادت العالم، وان كانت معرفة الله قد أخفيت، فمن ذا الذي كان يقوم بتعليم العالم عن الآب؟ أن قال أحد أن هذه هي مأمورية الانسان أجبناه أنه لم يكن في مقدور الانسان أن يجتاز الى كل مكان تحت الشمس، لأنه ليست لديه القوة الجسدية التي تمكنه من أن يركض بهذه السرعة، ولا هو يستطيع أن يدعي المقدرة على القيام بهذا الأمر، ولا هو يستطيع من تلقاء نفسه – مقاومة غواية الأرواح الشريرة وحيلها.

 4- لأنه إذا انحرف الجميع في تيار غواية الشيطان وأباطيل الأوثان فكيف كان ممكنا لهم أن يربحوا نفس الانسان وعقلهوهم عاجزون حتى عن رؤية النفس والعقل، وكيف يتاح لشخص أن يجدد ما لم يبصره.

 5- ولعل أحد يقول أن الخلقة كانت كافية. ولكن لو كانت الخلقة كافية لما حدثت كل هذه الشرور الجسيمة مطلقا، لأن الخلقة كانت موجودة فعلا، وكان البشر لا يزالون يتخبطون في نفس الضلالة عن الله

 6- فالى من أذن كانت تدعو الحاجة الا لكلمة الله الذي يبصر النفس والعقل، والمحرك لكل ما في الخليقة وبها يجعل معرفة الآب ظاهرة لأن كان بعلم البشر عن الآب بأعمال عنايته وبتدبيره لكل الأشياء، هو الذي يستطيع أن يجدد ذلك التعليم عينه

 7- وكيف كان ممكنا أن يتم هذا؟ رب امرئ يقول أنه كان أي بأعمال الخليقة ولكن هذه لم تعد وسيلة مضمونة بل بالعكس أن البشر سابقا رفضوا أن يبصروها، ولم يعودوا يشخصون بأبصارهم الى فوق بل الى أسفل.

 8- لهذا اذ ابتغى منفعة البشر كان طبيعيا أن يأتي الينا كإنسان آخذا لنفسه جسدا كسائر البشر، ليعلمهم من الأمور الأرضية – أي بأعمال جسده- حتى يستطيع من لا يدرون أن يعرفوه من أعمال عنايتهوسلطانه على كل الأشياء أن يبصروا الأعمال التي عملها بجسده الفعلي، ويعرفون كلمة الله الحال في الجسد، وفيه يعرفون الآب.

الفصل الخامس عشر

وإذ رأي " الكلمة" أن البشر حصروا في الأمور الجسدية تنازل الى مستوى تفكيرهم وأخذ جسدا والتقى بأحساساتهم في منتصف الطريق. وسواء اتجهت ميولهم الى عبادة الطبيعة أو البشر, أو الأرواح الشريرة، او الموتى فقد أظهر نفسه ربا على كل هؤلاء.

 1- وكما أن المعلم الصالح – الذي يعني بتلاميذه- يتنازل الى مستواهم، أن رأى البعض منهم لم يستفيدوا بالعلوم التي تسمو فوق ادراكهم، ويقدم اليهم تعاليم أبسط، هكذا فعل كلمة الله كما يقول بولس أيضا ( إذ كان العالم في حكمة الله لم يعرف بحكمته استحسن الله أن يخلص المؤمنين بجهالة الكرازة (1كو21:1)

 2- لأنه إذ رأى أن البشر رفضوا التأمل في الله، وانحطت نظراتهم الى أسفل كأنهم قد غاصوا في العمق، باحثين عن الله في الطبيعة وفي عالم الحسيات، ومخترعين لأنفسهم آلهة من البشر الق5ابلين للفناء ومن الجن – لهذا فان مخلص الكل محب، كلمة الله أخذ لنفسه جسدا وكإنسان مشى بين الناس، وقابل احساسات البشر في منتصف الطريق وحتى يستطيع من يتخيلون الله هيوليا (1) أن يدركوا الحق بما يعلنه الرب في جسده، ويدركوا الآب فيه.

 3- وهذا لأن البشر هم بشر، ولأن كل أفكارهم أصبحت بشرية ففي كل الأمور التي ركزوا فيها احساساتهم وجدوا أنفسهم قوبلوا في منتصف الطريق وعلموا الحق من كل ناحية.

 4- فإن نظروا الى الخليقة بدهشة ورهبة رأوهاتعترف بالمسيح ربا وان اتجهت عقولهم نحو البشر ليتوهموا أنهم آلهة وجدوا أن أعمال المخلص – ان قارنوا بأعمال البشر- قد أظهرته وحده ابن الله دون سائر البشر، لأنه لم يقم بينهم قط من استطاع أن يأتي الأعمال التي عملها كلمة الله.

 5- وا انحرفوا الى الأرواح الشريرة وجب أن يدركوا بعد أن رأوا الكلمة يطردها، أنه وحده هو الله ، وأن تلك الأرواح لا شئ.

 6- وان انحدرت عقولهم فوصلت الى الأموات حتى عبدوا الأبطال والآلهة التي تحدث عنها الشعراء، وجب بعد أن رأوا قيامة المخلص، أن يعترفوا أن تلك آلهة كاذبة، وأن الرب وحده هو الاله الحق.. كلمة الآب، وهو رب الموت أيضا.

 7- لهذا السبب ولد وظهر كإنسان، ومات، وقام ثانية بعد أن غطى بأعماله كل أعمال البشر الذين سبقوه، حتى إذا ما اتجهت أفكار البشر الى أية ناحية استطاع أن يستردهم من هذه الناحية ويعلمهم عن أبيه الحقيقي، كما يقول عن نفسه : " أنا قد جئت لكي أطلب وأخلص ما قد هلك لوقا 10:19
الحواشي
(1) أي ذا جسد

الفصل السادس عشر

إذا فقد جاء لكي يجذب أنظار البشر الحسية اليه كإنسان وبذلك يقودهم لكي يعرفوه كإله.

 1- لأنه إذا انحط فكر البشر نهائيا إلى الأمور الحسية فقد توارى الكلمة بظهوره في الجسد ، لكي يستطيع كإنسان أن ينقل البشر الى ذاته, ويركز إحساساتهم في شخصه وإذ يتطلع اليه البشر كإنسان, فإنه يقنعهم بالأعمال التي عملها أنه ليس مجرد إنسان بل هو اله أيضا، وكلمة الله الحق وحكمته.

 2- وهذا أيضا ما قصد أن يشير اليه "بولس" أذ يقول " وأنتم متأصلون ومتأسسون في المحبة حتى تستطيعوا أن تدركوا مع جميع القديسين وما هو الطول والعرض والعمق والعلو وتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة لكي تمتلئوا الى كل ملء الله ( أفسس 3: 17-19

 3- لأن كل الأشياء امتلأت من معرفة الله بإعلان (الكلمة) نفسه في كل ناحية – فوق وتحت- في العمق والعرض. أما فوق ففي الخليقة وتحت في التأنس, وفي العمق بنزوله الى الجحيم، وفي العرض أي في العالم، لقد امتلأت كل الأشياء من معرفة الله.

 4- ولهذا السبب أيضا فإنه لم يتمم ذبيحته عن الكل بمجرد مجيئه مباشرة بتقديم جسده للموت وإقامته ثانية ، لأنه لو فعل ذلك لجعل ذاته غير ظاهرة، ولكن صبر نفسه ظاهرا جدا بالأعمال التي صنعها وهو في الجسد. بهذه الأعمال التي عملها والعلامات التي أظهرها ، لم يعد معروفا بعد كإنسان، بل كالله (الكلمة)

 5- لأن المخلص بتأنسه تمم عمليتي المحبة (أولا) برفع الموت عناوتجديدنا ثانيا (ثانيا) باعلان نفسه وتعريف ذاته بأعماله بأنه كلمة الآب، مدبر وملك الكون، إذ كان غير ظاهر ولا منظور

 

 

On Line

 
   All rights reserved Coptic Wave Web www.copticwave.com
Copyrights@ Coptic Wave 2005-2012 Coptic Orthodox Church Egypt